فخر الدين الرازي

334

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : في قوله أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا وجهان : الأول : أنه صفة لقوله رَجُلانِ ، والثاني : أنه اعتراض وقع في البين يؤكد ما هو المقصود من الكلام . المسألة الثالثة : قوله ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ مبالغة في الوعد بالنصر والظفر ، كأنه قال : متى دخلتم باب بلدهم انهزموا ولا يبقى منهم نافخ نار ولا ساكن دار ، فلا تخافوهم . واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : إنما جزم هذان الرجلان في قولهما فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ لأنهما كانا جازمين بنبوة موسى عليه السلام ، فلما أخبرهم موسى عليه السلام بأن اللَّه قال : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 21 ] لا جرم قطعا بأن النصرة لهم والغلبة حاصلة في جانبهم ، ولذلك ختموا كلامهم بقولهم وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني لما وعدكم اللَّه تعالى النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من شدة قوتهم وعظم أجسامهم ، بل توكلوا على اللَّه في حصول هذا النصر لكم إن كنتم مؤمنين مقرين بوجود الإله القادر ومؤمنين بصحة نبوة موسى عليه السلام . ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 24 ] قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) وفي قوله فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ وجوه : الأول : لعلّ القوم كانوا مجسمة ، وكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على اللَّه تعالى . الثاني : يحتمل أن لا يكون المراد حقيقة الذهاب بل هو كما يقال : كلمته فذهب يجيبني ، يعني يريد أن يجيبني ، فكأنهم قالوا : كن أنت وربك مريدين لقتالهم ، / والثالث : التقدير : اذهب أنت وربك معين لك بزعمك فأضمر خبر الابتداء . فإن قيل : إذا أضمرنا الخبر فكيف يجعل قوله فَقاتِلا خبرا أيضا ؟ قلنا : لا يمتنع خبر بعد خبر ، والرابع : المراد بقوله وَرَبُّكَ أخوه هارون ، وسموه ربا لأنه كان أكبر من موسى . قال المفسرون : قولهم فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ إن قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر ، وإن قالوه على وجه التمرد عن الطاعة فهو فسق ، ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [ المائدة : 26 ] والمقصود من هذه القصة شرح خلاف هؤلاء اليهود وشدة بغضهم وغلوهم في المنازعة مع أنبياء اللَّه تعالى منذ كانوا . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 25 ] قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه لما سمع منهم هذا الكلام قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ذكر الزجاج في إعراب قوله وَأَخِي وجهين : الرفع والنصب ، أما الرفع فمن وجهين : أحدهما : أن يكون نسقا على موضع إِنِّي والمعنى أنا لا أملك إلا نفسي ، وأخي كذلك ومثله قوله أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [ التوبة : 3 ] والثاني : أن يكون عطفا على الضمير في أَمْلِكُ وهو « أنا » والمعنى : لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا ، وأما النصب فمن وجهين : أحدهما : أن يكون نسقا على الياء ، والتقدير : إني وأخي لا